في حياتنا اليومية، يعيش أغلبنا تجربة الزمن كشيء مؤكّد، فهو يمضي دائماً في الاتجاه الصحيح، وبمعدّل يمكن قياسه بسهولة ويتفق عليه جميع المراقبين. ولكن عندما يقارن مراقبان ما يختبرانه كل منهما، لنفسه، باعتباره ثانية واحدة، فإنهما لا يتفقان دائماً. ولم يتم تفسير هذا إلا في أوائل القرن العشرين، مع ظهور النظرية النسبية لأينشتاين. المفاجأة هي أن الزمن نفسه، الذي اعتُبر لفترة طويلة أساسياً وعالمياً، نسبيّ في الواقع؛ بمعنى أنّ المراقبين المختلفين سيشعرون بتدفق الزمن شعورًا مختلفًا بعضهم عن البعض الآخر، طالما أنهم يتحركون عبر الفضاء بسرعات مختلفة أو في اتجاهات مختلفة. وسواء حدث حدثان في وقت واحد أو حدث أحدهما قبل الآخر، فإن ذلك يعتمد بالكامل على وجهة نظر المراقب.

سهم الزمن، أو سهما الزمن:

صورة من unsplash
صورة من unsplash

ولكن، وعلى الرغم من مدى غموض الزمن، فهناك بعض الحقائق عنه التي يمكن لجميع المراقبين الاتفاق عليها. ولعل أكثر هذه الحقائق جوهرية ــــــ وربما الأكثر إرباكًا بينها أيضا ــــــ هو أن كل شخص، في جملته المرجعيّة العطاليّة، يرى الزمن يتحرك دائمًا إلى الأمام بالمعدل نفسه: ثانية واحدة كلّ ثانية. تُعرف هذه الحقيقة باسم "سهم الزمن"، أو على وجه التحديد سهم الزمن الإدراكي لدينا. وهناك العديد من الأفكار حول ما يجعلنا نختبره بالطريقة التي نختبره بها، وإحدى الأفكار التي طرحت هي "سهم الزمن" الوحيد الآخر الذي نعرفه: سهم الزمن المعرّف بالديناميكا الحرارية (الترموديناميك).

ADVERTISEMENT

جهة واحدة:

صورة من pixabay
صورة من pixabay

مع كل لحظة تمرّ، وبغض النظر عما يحدث حولنا، نجد أنفسنا نختبر الشكل الأكثر بدائية ورتابة للسفر عبر الزمن: مرور الزمن البطيء الذي يمر بنا بينما نتقدم نحو المستقبل. ومع كل لحظة تمرّ، يستمر الزمن بالانتشار في الجهة التي كان يتحرك فيها، محافظاً على سرعته الثابتة، حيث يتحرك لمسافة مناسبة في كل فترة زمنية معينة، بغضّ النظر عما يحدث حوله. وفي أية لحظة، وفي أي ظرف من الظروف، لا يبدو أنّ الزمن يثبت أو ينعكس؛ بل يمكنه فقط أن يستمر في التقدم نحو المستقبل. بعبارة أخرى، يشير سهم الزمن دائماً إلى الاتجاه الأمامي لأي شيء موجود داخل كوننا. ولكن هذا لغز للفيزياء الأساسية، إذ لا يوجد تفسير لتصرفه بهذه الطريقة. إن قوانين الطبيعة، باستثناءات قليلة جداً، متناظرة زمنياً تماماً. من نيوتن إلى أينشتاين، لا يوجد في المعادلات التي تحكم الواقع جهةٌ مفضّلةٌ لتدفق الزمن. ويمكن وصف سلوك أي جملة بمعادلات تصلح في الاتجاه الأمامي كما تصلح في الاتجاه الخلفي. فمثلًا، يمكننا التحرك "للخلف" وكذلك "للأمام" في أي من أبعادنا المكانية الثلاثة. ولكن بطريقة ما، الزمن يختلف.

ADVERTISEMENT

الإنتروبية:

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

مع أخذ كل هذا بنظر الاعتبار، من أين يأتي سهم الزمن لدينا؟ وفقًا للعديد من الأشخاص، يبدو أن هناك رابطًا مقترحًا بين ما ندركه على أنه سهم الزمن وكمية تسمى الإنتروبية، والمعروفة عمومًا باسم "مقياس الفوضى" في الجملة الفيزيائية، هناك في الواقع وصفان أكثر دقة عندما يتعلق الأمر بالإنتروبية: أولهما هو اعتبارها عدد الترتيبات الممكنة للحالة (الكمية) للجملة. إذا كان لديك المزيد من الخيارات لكيفية ترتيب الجملة بحيث تظل نفسها، كانت لديك إنتروبية أعلى مما لو كان هناك عدد أقل من الخيارات. فعلى سبيل المثال، الصندوق الذي يحتوي على جانب "ساخن" وجانب "بارد" مفصولين بحاجز، له إنتروبية أقل من الصندوق الذي تختلط فيه العناصر جيدًا بعد إزالة الحاجز.

العلاقة بين الزمن والإنتروبية:

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

كلما ناقشنا الإنتروبية، يتعين علينا أن نضع في اعتبارنا أننا مقيدون بقوانين الترموديناميك. وعلى وجه الخصوص، فإن القانون الثاني له أهمية بالغة، إذ ينصّ على أن إنتروبية الجمل المغلقة والمعزولة ــــــ وهي الجمل التي لا تسمح بتبادل المادة أو الطاقة مع البيئة الخارجية ــــــ لا يمكن إلا أن تزداد أو تظل على حالها بمرور الزمن؛ ولا يمكن أن تنخفض أبدًا. وبما أن الكون مغلق ومعزول تقريبًا (هذا التقريب جيد للغاية بالنسبة لجميع التطبيقات تقريبًا)، فلابدّ من أن تزداد إنتروبية الكون بأكمله بمرور الزمن. وهو القانون الوحيد المعروف في الفيزياء الذي يبدو أنه يُظهِر اتجاها مفضّلا للزمن.

ADVERTISEMENT

هل يعني هذا أنه من الممكن أن نختبر الزمن بالطريقة التي نختبره بها فقط بسبب القانون الثاني للترموديناميك؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذا يشير إلى وجود ارتباط عميق بين سهم الزمن والإنتروبية. إذا كان سهم الزمن المتخيّل يتحرك دائمًا إلى الأمام، بغضّ النظر عما يحدث للإنتروبية داخل الجملة، فإن هذا الارتباط المقترح لن يكون حقيقيًا. ولكنّ عكس تدفق الإنتروبية داخل معظم الجمل أسهل قولاً من الفعل؛ فنحن نستطيع بسهولة خفق بيضة ثم طهيها، ولكن العكس ــــــ إعادة البيضة بعد طهيها إلى وضعها الابتدائي، وفصل مكوّناتها ــــــ ليس بالسهولة ذاتها. وينطبق نفس الموقف عندما نذيب السكر والكريمة في القهوة؛ فتجانس الخليط أسهل كثيراً من فصل مكوّناته. في كلا المثالين تكون الإنتروبية في الحالة النهائية أعلى منها في الحالة الابتدائية. إذاً، من الناحية العملية، لا تحدث عملية عكس الإنتروبية تلقائيًا أبداً. وهذا ربما ما يحدّد اتجاه السهم الترموديناميكي للزمن إلى الأمام، حيث تزداد الإنتروبية.

ADVERTISEMENT

إن الطبيعة مليئة بالأمثلة مثل خلط القهوة بالكريمة أو خفق البيض وطهيه: ما نطلق عليه تقليديًا "التفاعلات غير العكوسة" في الفيزياء. فإذا أسقطت مكعبًا من الثلج في عصير دافئ، فسوف يذوب الثلج، ما ينتج عنه عصير بارد بدرجة حرارة موحدة أقل من درجة حرارته قبل وضع مكعب الثلج فيه. ولكن من المستحيل أن ينفصل العصير المبرد تلقائيًا إلى عصير دافئ ومكعب ثلج؛ فهذا أمر محظور بموجب القانون الثاني للترموديناميك. هذا هو الثمن الذي تستخلصه قوانين الترموديناميك من الكون بمرور الوقت: إن الإنتروبية الكلية لنظام مغلق ومعزول لا يمكن أن تنخفض أبدًا.

المزيد من المقالات