المماليك في الوطن العربي: التاريخ والأهمية والقادة والانحدار

ADVERTISEMENT

كانت سلطنة المماليك دولة حكمت مصر والشام والحجاز من منتصف القرن الثالث عشر إلى أوائل القرن السادس عشر. تأسست السلطنة مع الإطاحة بالسلالة الأيوبية في مصر عام 1250 وغزتها الإمبراطورية العثمانية عام 1517. نتحدّث في هذه المقالة عن هذه الدولة، وصعودها وانحدارها.

الاسم:

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

المملوك هو الجندي العبد، عضو في أحد جيوش العبيد التي تأسست خلال العصر العباسي، حيث أصبح استخدام المماليك كمكوّن رئيس في الجيوش الإسلامية سمة مميزة للحضارة الإسلامية. بدأت هذه الممارسة في بغداد على يد الخليفة العباسي المعتصم، وسرعان ما انتشرت في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وكانت النتيجة السياسية هي استغلال العبيد القوة العسكرية المخولة لهم للسيطرة على السلطات السياسية الشرعية، غالبًا لفترة وجيزة فقط، ولكن في بعض الأحيان لفترات طويلة جدًا. وهكذا، بعد فترة وجيزة من حكم المعتصم، سقطت الخلافة نفسها ضحية للجنرالات المماليك الأتراك، الذين تمكنوا من عزل أو قتل الخلفاء. وعلى الرغم من محافظتهم على الخلافة كرمز للسلطة الشرعية، فإن السلطة الفعلية كانت في أيديهم. وبحلول القرن الثالث عشر، نجح المماليك في إنشاء سلالات خاصة بهم، سواء في مصر أو في الهند، حيث كان السلاطين بالضرورة من أصل عبيد أو ورثة هؤلاء الرجال.

ADVERTISEMENT

تاريخ سلالة المماليك:

سيطر صلاح الدين على مصر في عام 1169، واتّبع ما كان يشكل تقليدًا في الممارسة العسكرية الإسلامية من خلال ضم فيلق العبيد إلى جيشه، بالإضافة إلى العناصر الكردية والعربية والتركمانية وغيرها. وقد اتبع خلفاؤه هذه الممارسة أيضًا؛ فكان الملك الصالح أيوب (1240-1249) أكبر مشترٍ للعبيد، وخاصة الأتراك، كوسيلة لحماية سلطنته من المنافسين داخل الأسرة الأيوبية نفسها، ومن الصليبيين. وعند وفاته في عام 1249، نشأ صراع على عرشه، وفي سياق ذلك قتل قادة المماليك وريثه ونجحوا في النهاية في تنصيب واحد منهم سلطانًا. ومنذ ذلك الحين، ولأكثر من 250 عامًا، حكم المماليك أو أبناء المماليك مصر وسورية.

قسم المؤرخون عصر حكم المماليك تقليديًا إلى فترتين - أولاهما تغطي الفترة من 1250 إلى 1382، والأخرى من 1382 إلى 1517. وقد أشار المؤرخون المسلمون المعاصرون إلى هاتين الفترتين باسم الفترتين "التركية" و"الشركسية"، وذلك من أجل لفت الانتباه إلى التغيّر في الأصل العرقي لغالبية المماليك، والذي حدث واستمر بعد تولي برقوق الحكم في عام 1382، والآثار التي خلفها هذا التغيير على ثروات الدولة.

ADVERTISEMENT

كان الإنجاز الرئيس الذي حققه المماليك الأتراك يتمثل في طردهم للصليبيين المتبقين من بلاد الشام، وإلحاق الهزيمة بالمغول في فلسطين وسورية؛ وبذلك نالوا شكر جميع المسلمين على إنقاذ الحضارة العربية الإسلامية من الدمار. كما سعى المماليك إلى توسيع سلطتهم إلى شبه الجزيرة العربية وإلى الأناضول وأرمينية الصغيرة؛ ولحماية ظهر مصر، سعوا إلى ترسيخ وجودهم في النوبة.

ولتعزيز مكانتهم في العالم الإسلامي، أعاد المماليك إحياء الخلافة التي دمرها المغول في عام 1258. وخدمت رعايتهم لحكام المدن المقدسة في شبه الجزيرة العربية، مكة والمدينة، الغرض ذاته. وقد تأسس نجاحهم المذهل في الحرب والدبلوماسية اقتصاديًا بدعمهم للصناعات والحرف اليدوية، وكذلك باستعادة مصر كطريق رئيس للتجارة والعبور بين الشرق والبحر الأبيض المتوسط.

ADVERTISEMENT

أبرز السلاطين:

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

من بين أبرز سلاطين المماليك بيبرس الأول (1260 - 1277)، والملك الناصر (1293 - 1341). وقد أدى فشل المماليك في العثور على خليفة قادر بعد وفاة هذا الأخير إلى إضعاف قوة واستقرار مملكتهم. ولكن مؤرخي تلك الحقبة يُرجعون بداية انحدار السلالة إلى تولي أول سلطان شركسي (برقوق) الحكم في عام 1382، زاعمين أن التقدم في الدولة والجيش أصبح بعد ذلك يعتمد على العرق (أي الأصل الشركسي) وليس على المهارة المثبتة في فن الحرب، والتي كانت بمثابة المعيار الرئيس للترقية خلال الفترة التركية. ومع ذلك، فإن الأهمية المتزايدة المعطاة للانتماء العرقي لم تكن سوى سبب واحد من أسباب الانحدار؛ فالعوامل الاقتصادية وغيرها كانت على نفس القدر من الأهمية، أو حتى أكثر أهمية. ولا شك أن جزءاً من التفسير يكمن في عجز المماليك عن توفير الضمانات اللازمة لضمان ممارسة التجارة والزراعة سلمياً. وعلاوة على ذلك، ساهمت الخسائر الديموغرافية، الناجمة عن الأوبئة التي انتشرت في مصر وأماكن أخرى في الشرق، في التدهور الاقتصادي. في ظل هذه الظروف لم يتمكن المماليك من الدفاع عن سورية ضد تيمورلنك في عام 1400.

ADVERTISEMENT

في ظل حكم السلطان بارسباي (1422-1438)، استُعيد الاستقرار الداخلي لفترة وجيزة، وعاد مجد المماليك إلى الحياة بفتح قبرص في عام 1426. ولكنّ الضرائب المتزايدة المطلوبة لتمويل مثل هذه المشاريع أدت إلى تفاقم الصعوبات المالية التي واجهها المماليك. وكانت الضربة الاقتصادية النهائية هي الهجوم البرتغالي على التجارة في البحر الأحمر (حوالي عام 1500)، والذي صاحبه التوسع العثماني في الأراضي المملوكية في سورية. وبعد هزيمتهم هزيمة حاسمة على يد العثمانيين في سورية ومصر عامي 1516 و1517، لم يعد المماليك يشكلون سوى أحد المكوّنات العديدة للبنية السياسية لمصر.

الإنجازات الثقافية:

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

ثقافيًا، تُعرف الفترة المملوكية بشكل أساسي بإنجازاتها في الكتابة التاريخية، والهندسة المعمارية. كان المؤرخون المماليك غزيري الإنتاج في تدوين التاريخ، وكتابة السير والموسوعات؛ وعمومًا لم يكونوا مبدعين بشكل ملحوظ، باستثناء ابن خلدون، الذي قضى سنوات تكوينه وإبداعه خارج الأراضي المملوكية في المغرب. وبالنظر إلى كونهم بناة للمباني الدينية، من مساجد ومدارس ومقابر، فقد وهب المماليك القاهرة بعضاً من أكثر آثارها إثارة للإعجاب، والتي لا يزال العديد منها قائماً حتى يومنا هذا. يمكن التعرف على مقابر المساجد المملوكية من خلال القباب الحجرية التي تتوازن ضخامة حجمها مع النقوش الهندسية. ترك المماليك أيضًا آثارًا خالدة في دمشق وحلب والقدس وطرابلس وكثير من المدن الأخرى.

ADVERTISEMENT

المماليك في عهد العثمانيين (1517 - 1798):

رغم تدمير سلطنتهم، ظل المماليك على حالهم كطبقة في مصر، واستمروا في ممارسة نفوذ كبير في الدولة. وكما كانت الحال أثناء سلالة المماليك، استمرت نخبة المماليك بالتزود بالوقود من خلال عمليات الشراء من أسواق العبيد. وبعد فترة من التدريب، شكل العبيد جوهر الجيش وسرعان ما تم تعيينهم في مناصب في الحكومة العثمانية. وهكذا، تسلل المماليك تدريجيًا إلى الطبقة الحاكمة العثمانية، وتمكنوا في النهاية من السيطرة عليها.

مع اقتراب نهاية القرن السابع عشر، بدأت القوة العثمانية بالتراجع في مختلف أنحاء الإمبراطورية، واستعاد المماليك السيطرة الفعلية على الجيش والإيرادات والحكومة. وفي نهاية المطاف، اضطرت إسطنبول إلى الاعتراف باستقلال ذلك الفصيل من المماليك الذي كان يضمن دفع مبالغ معينة سنوياً للعثمانيين. وعلى هذا فقد واجه نابليون جيوش المماليك ودولة المماليك عندما غزا مصر في عام 1798. وفي النهاية دمر حاكم مصر الجديد محمد علي باشا قوتهم هناك في مذبحة عام 1811.

ADVERTISEMENT

المزيد من المقالات