التلسكوبات الضخمة للغاية: الشيء الكبير القادم في علم الفلك

ADVERTISEMENT

لطالما كانت التلسكوبات بمثابة نوافذ للبشر على الكون، حيث غيّرت فهم الكون ووسعت حدود المعرفة البشرية. فمن أول تلسكوب بدائي لغاليليو (Galileo) إلى عجائب المراصد الحديثة، سمحت هذه الأدوات بمراقبة النجوم البعيدة والمجرات وحتى الكواكب خارج النظام الشمسي. ومع ذلك، فإن سعي البشرية لفهم الكون تطلّب بشكل متزايد تلسكوبات قوية، مما أدى إلى تطوير التلسكوبات الضخمة للغاية (extremely large telescopes ELTs). ومن المقرر أن تعمل هذه الأدوات الضخمة على إحداث ثورة في علم الفلك، حيث تُقدّم رؤى لا مثيل لها حول أصول الكون، وطبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وإمكانية الحياة خارج الأرض. في هذه المقالة، نستكشف تاريخ التلسكوبات، وتطوير التلسكوبات الحديثة المتطورة، والتأثير المتوقع للجيل القادم من هذه التلسكوبات العملاقة الفلكية.

1. تاريخ موجز للتلسكوبات.

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

بدأ تاريخ التلسكوبات في أوائل القرن السابع عشر، حيث يُنسب إلى هانز ليبرشي (Hans Lippershey) بناء أول تلسكوب بصري معروف. سرعان ما قام جاليليو جاليلي (Galileo Galilei) بتحسين هذا الاختراع، واستخدمه لاكتشاف الأقمار حول كوكب المشتري والحُفَر على القمر، مما أدى إلى تغيير فهم النظام الشمسي إلى الأبد. على مر القرون، تطورت التلسكوبات بشكل كبير. شهد القرن الثامن عشر ظهور التلسكوبات القائمة على الانكسار (refracting)، التي تستخدم العدسات لتركيز الضوء، بينما قدّم القرن التاسع عشر التلسكوبات العاكسة التي تستخدم المرايا. كان تلسكوب السير إسحاق نيوتن (Isaac Newton) العاكس بمثابة قفزة كبيرة في التصميم والوظائف. في القرن العشرين، أدت التطورات في التكنولوجيا إلى ولادة تلسكوبات الراديو والأشعة السينية والفضائية، مثل تلسكوب هابل الفضائي، الذي قدم بيانات لا تقدر بثمن عن الكون خارج الغلاف الجوي للأرض.

ADVERTISEMENT

2. التلسكوبات الحديثة وقدراتها.

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

في العقود الأخيرة، أصبحت التلسكوبات أكبر وأكثر تطوراً، مما مكّن علماء الفلك من المراقبة في أعماق الفضاء. فيما يلي ملخص لبعض أكثر التلسكوبات العاملة حالياً تقدماً:

تلسكوب هابل الفضائي (Hubble space telescope HST): تم إطلاقه في عام 1990، يدور هابل حول الأرض وأنتج بعضاً من أكثر الصور تفصيلاً للمجرات البعيدة والسُدَم والمستعرات العظمى. يسمح موقعه فوق الغلاف الجوي للأرض بالتقاط صور أكثر وضوحاً دون حدوث التشوهات الجوية.

تلسكوب جيمس ويب الفضائي (James webb space telescope JWST): من المتوقع أن يحل محل هابل باعتباره التلسكوب الفضائي الرائد، ويعمل JWST، الذي تم إطلاقه في ديسمبر 2021، بشكل أساسي في طيف الأشعة تحت الحمراء. صُمّمت مرآته الكبيرة التي يبلغ قطرها 6.5 متر لالتقاط الضوء الأضعف والأقدم من الكون المبكر، مما يوفر نظرة ثاقبة لتكوين النجوم والمجرات الأولى.

ADVERTISEMENT

شبيكة أتاكاما الكبيرة للمليمتر/تحت المليمتر (Atacama Large Millimeter/submillimeter Array ALMA): تقع في صحراء أتاكاما في تشيلي، وهي عبارة عن مجموعة من 66 هوائياً عالي الدقة تراقب الكون بأطوال موجية مليمترية ودون مليمترية. وهي تتفوق في دراسة أبرد مناطق الفضاء وأبعدها، بما في ذلك السحب الجزيئية والأقراص المكونة للكواكب.

التلسكوب الكبير جداً (Very large telescope VLT): يقع التلسكوب الكبير جداً (VLT) الذي يديره المرصد الجنوبي الأوروبي (ESO) في تشيلي ويتكون من أربعة تلسكوبات يبلغ قطرها 8.2 متر. تعمل هذه التلسكوبات معاً على إنشاء أحد أكثر الأدوات البصرية المتاحة تقدماً، والقادرة على إنتاج بعض أكثر الصور التي تم تسجيلها على الإطلاق وضوحاً.

تُظهِر هذه الصورة، التي تم التقاطها في أواخر يونيو 2023، لقطة التقطتها طائرة بدون طيار لموقع بناء التلسكوب العملاق للغاية التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في سيرو أرمازونيس، في صحراء أتاكاما في تشيلي.

ADVERTISEMENT

3. دوافع بناء تلسكوبات أكبر.

يكمن الدفع المستمر لبناء تلسكوبات أكبر في الرغبة في استكشاف الكون، وسبر أغواره، والإجابة على أكبر الأسئلة في علم الفلك. إن التلسكوبات الأكبر حجماً ضرورية لالتقاط المزيد من الضوء، مما يسمح لعلماء الفلك بمراقبة الأجسام الخافتة والبعيدة. على سبيل المثال، يتطلب فهم طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة مراقبة المجرات على مسافات بعيدة للغاية، حيث سافر ضوءها مليارات السنين ليصل إلينا. كما تعمل التلسكوبات الأكبر حجماً على تحسين دقة الصور، مما يساعد علماء الفلك على التمييز بين الأجرام السماوية القريبة ودراسة الأنظمة الكوكبية بمزيد من التفصيل. وكلما زادت البيانات التي يمكن جمعها، كلما زادت فرص فهم الظواهر الكونية التي أفلتت من الفهم والتفسير حتى الآن.

4. النتائج المتوقعة للتلسكوبات الضخمة.

من المتوقع أن يُقدّم الجيل القادم من التلسكوبات الضخمة، مثل التلسكوبات التالية، اكتشافات رائدة:

ADVERTISEMENT

التلسكوب الضخم للغاية (ELT): قيد الإنشاء حالياً بواسطة المرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي، سيضم التلسكوب الضخم للغاية مرآة بقطر 39 متراً، مما يجعله أكبر تلسكوب بصري/أشعة تحت الحمراء القريبة في العالم. ومن المتوقع أن يلعب دوراً حاسماً في دراسة الكواكب الخارجية والمجرات الأولى وتوسُّع الكون.

•تلسكوب الثلاثين متراً (Thirty meter telescope TMT): من المقرر أن يتم بناؤه على ماونا كيا (Mauna Kea) في هاواي، وسيضم تلسكوب الثلاثين متراً مرآة بقطر 30 متراً وسيركز على مراقبة الكواكب حول النجوم الأخرى، بالإضافة إلى توفير خرائط أكثر تفصيلاً للثقوب السوداء والبنى الكونية.

تلسكوب ماجلان العملاق (Geant Magellan telescope GMT): يقع هذا التلسكوب أيضاً في تشيلي، وسيضم سبعة مرايا يبلغ قطر كل منها 8.4 متراً تعمل كأداة بصرية عملاقة واحدة يبلغ قطرها 24.5 متراً. وهو مصمم لدراسة تكوين النجوم والمجرات واستكشاف إمكانية الحياة خارج الأرض من خلال فحص الغلاف الجوي للكواكب الخارجية.

ADVERTISEMENT

ستسمح هذه التلسكوبات لعلماء الفلك بالنظر إلى أعماق الكون، ومراقبة الأجسام الخافتة أو البعيدة جداً بحيث لا يمكن اكتشافها حالياً، والإجابة على أسئلة أساسية حول أصول الكون ودورة حياة النجوم.

5. الفوائد الفلكية للتلسكوبات الضخمة للغاية.

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

إن الإمكانات العلمية لهذه التلسكوبات الضخمة للغاية هائلة. فهي ستمكن علماء الفلك من:

دراسة الكواكب الخارجية: بفضل القدرة على اكتشاف الضوء الخافت من الكواكب البعيدة، ستساعد التلسكوبات الضخمة للغاية في تحديد الكواكب في المناطق الصالحة للسكنى وتحليل غلافها الجوي بحثاً عن علامات الحياة.

فهم المادة المظلمة والطاقة المظلمة: ستوفر هذه التلسكوبات بيانات حاسمة حول توزيع المجرات وتوسُّع الكون، وتُقدّم رؤى حول طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة، والتي تشكل غالبية كتلة الكون وطاقته.

ADVERTISEMENT

استكشاف الكون المبكر: من خلال مراقبة الضوء الخافت من المجرات والنجوم الأولى، ستسمح لنا التلسكوبات الضخمة (ELTs) بدراسة الكون كما كان قبل مليارات السنين، وإلقاء الضوء على كيفية تطوره إلى حالته الحالية.

رسم خريطة الثقوب السوداء والموجات الثقالية: ستتيح هذه التلسكوبات إجراء ملاحظات أكثر تفصيلاً للثقوب السوداء ومصادر الموجات الثقالية، مما يُعزّز فهم هذه الظواهر الكونية المتطرفة.

6. مستقبل التلسكوبات الكبيرة.

مع نمو التلسكوبات، أصبحت أكثر تعقيداً أيضاً، مما يتطلب هندسة مبتكرة وجهوداً دولية تعاونية. قد تتضمن التطورات المستقبلية تلسكوبات ELTs القائمة على الفضاء والتي تعمل خارج الغلاف الجوي للأرض، مما يوفّر رؤية أكثر وضوحاً للكون. إن التقدم التكنولوجي في مجال البصريات التكيّفية، التي تُعوّض التشوهات الجوية، سوف تلعب أيضاً دوراً حاسماً في تحسين دقة التلسكوبات الأرضية. وعلاوة على ذلك، فإن المواد والتقنيات الجديدة في بناء المرايا قد تمكن من صنع تلسكوبات أكبر حجماً في العقود المقبلة.

يُشكّل تطوير التلسكوبات الضخمة للغاية عصراً جديداً في علم الفلك، عصراً يَعدُ بكشف أسرار الكون. فمن مراقبة النجوم والمجرات الأولى إلى البحث عن الكواكب الخارجية الصالحة للحياة، سوف تدفع هذه الأدوات القوية حدود ما هو ممكن في مجال البحث الفلكي. ومع دخولها إلى الخدمة في العقود القليلة المقبلة، يستعد علماء الفلك والفيزياء الفلكية للقيام باكتشافات من شأنها أن تعيد تشكيل فهم الكون ومكانة البشرية فيه. إن السعي إلى تلسكوبات أكبر حجماً لا يقتصر على الرؤية إلى مسافات أبعد فحسب ــ بل إنه يتعلق بالإجابة على الأسئلة الأساسية المتعلقة بالوجود.

المزيد من المقالات