طاقة الاندماج: مستقبل على بعد 30 عاماً، ولكن الفوائد سنحصدها قبل ذلك بكثير

ADVERTISEMENT

بقيت طاقة الاندماج، وهي عملية دمج النوى الذرية لإطلاق كميات هائلة من الطاقة، الكأس المقدسة لأبحاث الطاقة لأكثر من نصف قرن. ورغم أن حلم إنشاء محطة طاقة اندماج تعمل بكامل طاقتها يبدو دائماً "بعيداً ثلاثين عاماً"، إلا أن الرحلة نحو هذا الهدف قد أسفرت عن تقدم كبير يَعدُ بالفائدة قبل وقت طويل من أن يصبح الاندماج حقيقة تجارية. تستكشف هذه المقالة مبادئ طاقة الاندماج، وتاريخ تطويرها، والحالة الحالية لأبحاث الاندماج، والإنجازات الأخيرة، والفوائد التي يمكن توقُعها في الأمد القريب، ومستقبل هذه التكنولوجيا الرائدة.

1. مبدأ طاقة الاندماج.

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

تعتمد طاقة الاندماج على العملية التي تُزوّد الشمس والنجوم الأخرى بالطاقة. يتضمن الاندماج، في جوهره، اندماج نواتين ذريتين خفيفتين - عادة نظائر الهيدروجين، مثل الدوتيريوم والتريتيوم - في نواة أثقل، مما يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من الطاقة. تأتي هذه الطاقة من تحويل جزء صغير من كتلة النوى إلى طاقة، كما هو موضح في معادلة أينشتاين الشهيرة E = m.c2 (الطاقة= جداء الكتلة في مربع سرعة الضوء). وعلى عكس الانشطار، الذي يقسم الذرات الثقيلة لإطلاق الطاقة، فإن الاندماج يَعدُ بمصدر طاقة نظيف وآمن وغير محدود تقريباً، مع الحد الأدنى من النفايات المشعة، وعدم وجود خطر الفشل الكارثي. وعلى حد قول إحدى الصحف، تُشبه طاقة الاندماج وضع الشمس في قارورة.

ADVERTISEMENT

2. التطور الزمني لطاقة الاندماج.

بدأ البحث عن طاقة الاندماج في الخمسينيات من القرن العشرين، مدفوعاً باكتشاف الانشطار النووي والتطوير اللاحق للأسلحة النووية. ركّزت الأبحاث المبكرة على فهم الشروط اللازمة للاندماج - درجات حرارة وضغوط عالية للغاية، التي تشبه تلك الموجودة في النجوم. شهدت ستينيات القرن العشرين تطوير مفاعل توكاماك (tokamak)، وهو جهاز حصر مغناطيسي على شكل بندقة، الذي يبقى التصميم الأكثر وعداً لتحقيق الاندماج المتحكم فيه.

على مدار العقود، توسعت جهود البحث عالمياً، مع مشاريع مهمة مثل مفاعل توروس الأوروبي المشترك (Joint European Torus JET) في المملكة المتحدة، ومفاعل توكاماك التجريبي للاندماج (Tokamak Fusion Test Reactor TFTR) في الولايات المتحدة. أرست هذه الجهود الأساس للمفاعل التجريبي النووي الحراري الدولي (ITER International Thermonuclear Experimental Reactor)، وهو تعاون دولي أُطلق في عام 1985 ولا يزال اليوم قيد الإنشاء في فرنسا. يُمثّل ITER المحاولة الأكثر طموحاً حتى الآن لإثبات جدوى طاقة الاندماج على نطاق واسع.

ADVERTISEMENT

3. الوضع الحالي لطاقة الاندماج.

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

حتى اليوم، لا تزال طاقة الاندماج في المرحلة التجريبية، ولا توجد محطات طاقة اندماجية عاملة. يهدف ITER، الذي من المتوقع أن يحقق أول بلازما بحلول عام 2025، إلى أن يكون أول جهاز اندماج يُنتج طاقة أكثر مما يستهلك، وهذا ما يوفّر علامة بالغة الأهمية تُعرف باسم "مكسب الطاقة الصافي". وتستكشف مشاريع أخرى، مثل منشأة الإشعال الوطنية (national ignition facility NIF) في الولايات المتحدة، والمشاريع الخاصة مثل تلك التي تديرها شركات مثل TAE Technologies وCommonwealth Fusion Systems، طرائق بديلة لتحقيق الاندماج، بما في ذلك الحصر العطالي وأجهزة التوكاماك المتقدمة.

4. الإنجازات الأخيرة في طاقة الاندماج.

شهد العقد الماضي تقدماً ملحوظاً في أبحاث الاندماج. ففي عام 2022، حققت منشأة الإشعال الوطنية اختراقاً من خلال إنتاج تفاعل اندماجي ولّد لفترة وجيزة طاقة أكثر مما استُخدم لبدء ذلك، وهو دليل رئيسي على مفهوم الاندماج بالحصر العطالي. وفي الوقت نفسه، شهدت الأبحاث القائمة على التوكاماك تحسينات في أزمنة حصر البلازما ودرجات الحرارة، مما جعل العلماء أقرب إلى تحقيق الشروط اللازمة للاندماج المستدام.

ADVERTISEMENT

بالإضافة إلى ذلك، أدت التطورات في علم المواد، والمغانط الفائقة الناقلية، والنمذجة الحاسوبية إلى تسريع وتيرة أبحاث الاندماج. إن هذه التطورات لا تُقرّب فقط من طاقة الاندماج التجارية، بل تؤدي أيضاً إلى تطبيقات مباشرة في مجالات أخرى، مثل التصوير الطبي، ومعالجة المواد، وتطوير الإلكترونيات المتقدمة.

5. الإنجازات والفوائد الحالية لطاقة الاندماج.

في حين أن الوضع الحالي لا يزال على بعد عقود من الزمان من محطة طاقة الاندماج العاملة، تُسفر الرحلة نحو هذا الهدف بالفعل عن فوائد ملموسة. يتم تطبيق البحث والتكنولوجيا المطورة للاندماج في قطاعات مختلفة، مما يدفع الابتكار في مجالات المواد الفائقة الناقلية، وفيزياء البلازما، والليزر عالي الاستطاعة.

وعلاوة على ذلك، تعمل أبحاث الاندماج على تعزيز التعاون الدولي على نطاق غير مسبوق. تَجمع مشاريع مثل ITER العلماء والمهندسين وصناع السياسات من جميع أنحاء العالم، وتُعزّز تبادل المعرفة والخبرة التي تفيد مجالات أخرى من العلوم والتكنولوجيا.

ADVERTISEMENT

ومن الفوائد المباشرة الأخرى لأبحاث الاندماج قدرتها على إلهام الجيل القادم من العلماء والمهندسين وتدريبهم. كما يوفّر تعقيد مشاريع الاندماج وحجمها فرصاً فريدة للتأهيل وتطوير المهارات في مجالات هامة لمواجهة التحديات الكبرى، مثل تغير المناخ وأمن الطاقة.

6. مستقبل طاقة الاندماج.

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

إن مستقبل طاقة الاندماج واعد، وإن كان لا يزال غير مؤكد. وإذا نجح مشروع ITER والمشاريع الأخرى في إظهار مكاسب الطاقة الصافية، فإن الخطوة التالية ستكون تطوير محطات الطاقة التجريبية التي يمكنها توصيل طاقة الاندماج إلى الشبكة. ستتطلب هذه المرحلة حل التحديات التقنية المتبقية، مثل حيازة الطاقة وتحويلها بكفاءة، فضلاً عن تطوير المواد التي يمكنها تحمُّل الشروط القاسية داخل مفاعل الاندماج.

إذا نظرنا إلى المستقبل، يمكن أن يُحدِث تسويق طاقة الاندماج ثورة في المشهد العالمي للطاقة. ويوفّر الاندماج مصدراً غير محدود تقريباً للطاقة، مع إمكانية استبدال الوقود الأحفوري والحد بشكل كبير من انبعاثات الغازات المُسبّبة للاحتباس الحراري العالمي. كما يمكن أن يؤدي التبني الواسع النطاق لطاقة الاندماج إلى دفع النمو الاقتصادي، وإنشاء صناعات جديدة، وتعزيز أمن الطاقة في جميع أنحاء العالم.

ADVERTISEMENT

7. جني الفوائد قبل إنشاء محطات طاقة الاندماج.

في حين أن الانتشار الكامل لطاقة الاندماج لا يزال على بعد عقود من الزمان، فإن البحث والتطوير الجاري في هذا المجال يولّد بالفعل فوائد ستؤثر على الحياة في الأمد القريب. إن التطور في التكنولوجيا، وعلوم المواد، والتعاون الدولي يدفع التقدم في مجالات متعددة خارج مجال الطاقة. وبينما يتواصل السعي وراء حلم طاقة الاندماج، تستمر فوائده الموازية في النمو، مما يضمن أن الاستثمار في أبحاث الاندماج يؤتي ثماره قبل وقت طويل من تشغيل أول محطة طاقة اندماج.

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

لا تزال طاقة الاندماج تشكل احتمالاً مغرياً، مع إمكانية تحويل أنظمة الطاقة والمساعدة في حل بعض التحديات الأكثر إلحاحاً في العالم. وفي حين أن هدف طاقة الاندماج التجارية قد لا يزال على بعد ثلاثين عاماً، فإن الرحلة نحو هذا الهدف تحقق بالفعل فوائد كبيرة. من الابتكارات التكنولوجية والتعاون الدولي إلى تدريب العلماء والمهندسين في المستقبل، فإن السعي وراء طاقة الاندماج يضع الأساس لمستقبل أكثر إشراقاً واستدامة. ومع الاستمرار في تجاوز حدود ما هو ممكن، فإن الوعد الذي تقدمه طاقة الاندماج، سواء كمصدر للطاقة أو كمحرك للتقدم العلمي والتكنولوجي، يظل دافعاً قوياً لمواصلة الاستثمار والبحث.

ADVERTISEMENT

المزيد من المقالات