علماء الفيزياء يحلون لغز الاندماج النووي بالمايونيز

ADVERTISEMENT
الصورة عبر Wikimedia Commons
الصورة عبر Wikimedia Commons

قد تبدو فكرة حل لغز الاندماج النووي باستخدام المايونيز غريبة، لكنها في الواقع تشبيه ذكي يستخدمه العلماء لشرح جوانب معينة من أبحاث الاندماج النووي، وخاصة في فهم الاضطرابات وعدم الاستقرار في بلازما الاندماج. في الحقيقة يمكن للفيزياء نفسها التي تشكل أساس المايونيز أن تساعد علماء الفيزياء في حشد البلازما فائقة السخونة اللازمة لإنتاج الاندماج النووي. في هذه المقالة نبيّن هذا التشابه وكيف يمكن استعماله في فهم وتنفيذ الاندماج النووي.

ما هو الاندماج النووي؟

الصورة عبر Wikimedia Commons
الصورة عبر Wikimedia Commons

الاندماج النووي هو العملية التي تتحد بها النوى الذرية لتكوين نوى أثقل، فتطلق كمية هائلة من الطاقة. هذه هي العملية التي تمد الشمس والنجوم الأخرى بالطاقة؛ حيث تندمج نواتا هيدروجين لإنتاج نواة هليوم في قلب النجوم وتتحرّر كمية كبيرة من الطاقة. من الناحية النظرية، قد يكون الهليوم مصدرًا للطاقة النظيفة التي لا حدود لها تقريبًا على الأرض، إذا كان التفاعل قادرًا على إنتاج طاقة أكبر مما يستهلك.

ADVERTISEMENT

ولهذا السبب يعد تحقيق الاندماج النووي على الأرض هدفًا رئيسًا في السعي للحصول على طاقة نظيفة وغير محدودة تقريبًا، لكنه أثبت أنه يشكل تحديًا غير عادي. في الشمس يحدث الاندماج النووي عند حوالي 15 مليون درجة سلزيوس، وهي درجة حرارة كافية لأن جاذبية الشمس الهائلة تجبر ذرات الهيدروجين على الالتحام معًا متغلبة على تنافرها الطبيعي. أما على الأرض فلا توجد مثل هذه الضغوط الهائلة، لذا يجب أن تعمل مفاعلات الاندماج النووي التي يصنعها الإنسان بدرجة حرارة أعلى بعشر مرات من حرارة الشمس. وللوصول إلى درجات الحرارة المذهلة هذه، يقوم الفيزيائيون بتجميد مزيج من النظائر الثقيلة للهيدروجين في كبسولات معدنية. ثم يقومون بتفجير هذا المزيج بالليزر، ما يسخن الغاز إلى ما يزيد على 220 مليون درجة سلزيوس في ومضة، ويحوله من الناحية المثالية على الأقل، إلى بلازما ــــــ وهي غاز ساخن متأين ــــــ حيث يمكن أن يحدث الاندماج النووي. ولكن لسوء الحظ، يسعى غاز الهيدروجين التوسع، ما يتسبب في انفجار المعدن المنصهر قبل أن يتوفر للهيدروجين الوقت اللازم للاندماج. يحدث هذا الانفجار عندما تدخل الكبسولة المعدنية مرحلة غير مستقرة وتبدأ بالتدفق. ولذلك هناك أيضًا حاجة إلى ضغوط عالية للغاية لإجبار نوى الهيدروجين على الاندماج معًا. الطريقة الأكثر بحثًا لتحقيق الاندماج النووي المتحكم فيه على الأرض هي من خلال الحصر المغناطيسي، حيث يتم حصر البلازما والتحكم فيها بوساطة حقول مغناطيسية داخل جهاز مثل توكاماك.

ADVERTISEMENT

دور الاضطراب وعدم الاستقرار:

الصورة عبر Wikimedia Commons
الصورة عبر Wikimedia Commons

إن أحد التحديات الرئيسة في تحقيق الاندماج النووي المستدام هو التعامل مع الاضطراب وعدم الاستقرار في البلازما. يمكن لهذه الحركات المضطربة أن تتسبب في هروب البلازما من الحصر المغناطيسي، ما يؤدي إلى خسائر في الطاقة ويجعل من الصعب الحفاظ على الظروف اللازمة لحدوث الاندماج. لقد حاول الفيزيائيون فهم هذه الاضطرابات والتحكم فيها لتحسين كفاءة مفاعلات الاندماج. وهنا يأتي دور المايونيز.

تشبيه المايونيز:

الصورة عبر Wikimedia Commons
الصورة عبر Wikimedia Commons

المايونيز هو مستحلب، ما يعني أنه مزيج من مادتين لا تمتزجان جيدًا معًا عادةً - كالزيت والماء. يكمن مفتاح النجاح في صنع المايونيز في إضافة مكوّن، هو صفار البيض، يعمل على تثبيت المزيج ويمنعه من الانفصال.

في دراسة جديدة نُشرت حديثًا في مجلة Physical Review E، استخدم العلماء هذا التشبيه. قال أريندام بانيرجي، المؤلف الرئيسي للدراسة والمهندس الميكانيكي في جامعة ليهاي في بنسلفانيا: "نستخدم المايونيز لأنه يتصرف مثل مادة صلبة، ولكن عندما يتعرض لتدرج الضغط، يبدأ بالتدفق". يمكن أن تساعد هذه العملية في توضيح الفيزياء التي تحدث عند درجات حرارة وضغوط عالية للغاية داخل مفاعلات الاندماج النووي - دونما حاجة إلى خلق هذه الظروف القاسية. أدرك فريق بانيرجي أن المعدن المنصهر يتصرف مثل المايونيز، أي إنه يمكن أن يكون مرنًا، بمعنى أنه يعود إلى وضعه عند الضغط عليه، أو بلاستيكيًا غير مرن، بمعنى أنه لا يعود، أو يتدفق، وهنا يبدأ عدم الاستقرار. في الدراسة الجديدة، وضع الباحثون المايونيز في آلة تعمل على تسريع مستحلب البيض والزيت حتى بدأ بالتدفق. ثم وصّفوا الظروف التي تحول فيها التوابل المضافة بين حالات البلاستيك والمرونة وعدم الاستقرار. على وجه التحديد، وجدوا أن إضافة أيونات ثقيلة إلى البلازما يمكن أن تساعد في تقليل الاضطرابات وجعل البلازما أكثر استقرارًا. تعمل هذه الأيونات بشكل مشابه للمكوّن المضاف إلى المايونيز، ما يساعد في الحفاظ على "اختلاط" البلازما بطريقة مستقرة ومنضبطة.

ADVERTISEMENT

بطبيعة الحال، تختلف الكبسولات المعدنية شديدة السخونة عن المايونيز في كثير من النواحي. لذا، يبقى أن نرى ما إذا كان من الممكن ترجمة نتائج الفريق إلى حبيبات بلازما أكثر سخونة من الشمس بعدة مرات.

لغز المايونيز:

الصورة عبر pxhere
الصورة عبر pxhere

يشير "اللغز" في هذا السياق إلى التفاعلات المعقدة وغير المفهومة تمامًا بين الجسيمات المختلفة في البلازما وكيف يمكن أن تؤدي هذه التفاعلات إلى الاستقرار أو عدم الاستقرار. ومن خلال دراسة البلازما مع أخذ هذا التشبيه للمايونيز في الاعتبار، تمكن الباحثون من تطوير استراتيجيات جديدة لتحقيق استقرار البلازما، ما يقربهم من تحقيق الاندماج النووي المستدام.

الخاتمة:

الصورة عبر Wikimedia Commons
الصورة عبر Wikimedia Commons

إن فكرة استخدام المايونيز لحل تحديات الاندماج النووي هي طريقة مجازية للتواصل بشأن عملية تثبيت البلازما في مفاعلات الاندماج النووي. ورغم أن المايونيز لا يُستخدم فعليًا في التجارب، فإن هذا التشبيه يساعد في جعل الفيزياء المعقدة أكثر قابلية للفهم. ويشكل هذا النهج جزءًا من الجهود الأوسع نطاقًا لمعالجة تحديات الاندماج النووي، بهدف نهائي يتمثل في خلق مصدر جديد وقوي للطاقة للبشرية.

ADVERTISEMENT

المزيد من المقالات