الذي يحدد ما إذا كانت الرائحة طيّبة أم سيئة؟

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

يمتلئ الهواء بالعديد من جزيئات الرائحة الصغيرة التي تفرزها الأشياء مثل العطور أو الطعام. يتمتع أنفك بالقدرة المذهلة على شم آلاف الروائح المختلفة لأنه يحتوي على ملايين مستقبلات الرائحة – وهي خلايا يمكنها التعرف على جزيئات الرائحة. عندما تشم الهواء، يتم تنبيه هذه الخلايا الخاصة، فترسل إشارة إلى دماغك الذي يتعرف عليها. على سبيل المثال، تتكون رائحة البسكويت المخبوز من العديد من جزيئات الرائحة. يمكن لدماغك تجميع كل هذه المعلومات وإخبارك بوجود بسكويت يتم خبزه في الفرن. نبيّن في هذه المقالة علاقة الروائح الطيبة والسيئة بالذكريات وبتطور الإنسان.

إدراك الرائحة:

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

الصورة عبر asundermeier على pixabay

تعتمد متعة إدراك الروائح على مورّثاتنا وتجاربنا. ومن ثمّ فإن الحساسيات الشمية المرتبطة بنوعية وكمية الروائح تختلف على أساس وراثي ودماغي. في الواقع، ليس لدى كل فرد نفس العدد من عائلات مستقبلات الرائحة، ولا نفس الكمية الدقيقة من هذه المستقبلات، الأمر الذي يمكن أن يغير إدراكنا وتفضيلاتنا بشكل كبير. على سبيل المثال، ثبت أن بعض الأشخاص يكونون أكثر حساسية لرائحة الكزبرة من غيرهم. ويرتبط ذلك باختلافات جينية في المستقبلات الشمية الخاصة بهذه الرائحة. ويُضاف إلى هذا التباين الوراثي تجارب الحياة.

في عيد ميلاد أو عطلة، تتميز ذكرياتنا بتوقيعات شمية محددة: رائحة كعكة الشوكولاتة، أو روائح الشاطئ والبحر على الساحل، والتي يتم إدراكها دائمًا بطريقة ممتعة. نفس الأماكن ونفس الروائح، ولكن هذه المرة يتعرض شخص آخر للأسف لحادث. تصبح روائح الساحل بعد ذلك سلبية، لأنها ارتبطت بموقف خطير أو محفوف بالمخاطر. ولذلك يقوم الدماغ باستمرار ببناء روابط بين تصوراتنا الحسية وتجاربنا، وهي الآلية التي توجه سلوكنا إلى حد كبير. إذًا، ماضينا الوراثي وسياق إدراك الروائح الجديدة هو الذي يمنحنا قدراتنا الخاصة على اكتشاف الروائح وتقديرها. تصنّف الروائح بحسب تكافؤها إدراكنا لها، إما بطريقة ممتعة أو محايدة أو غير سارة... وكل شيء يمكن أن يتغير تحت تأثير التجارب الجديدة، فالدماغ عضو متكيّف باستمرار.

ADVERTISEMENT
🧠

العوامل التي تشكل إدراك الروائح

لا تتحدد الرائحة الممتعة أو المنفرة بعامل واحد، بل تتشكل من تفاعل بين الوراثة وتجارب الحياة وطريقة ربط الدماغ بين الرائحة والموقف.

الوراثة

يختلف عدد مستقبلات الرائحة ونوعها من شخص إلى آخر، لذلك قد يكون بعض الناس أكثر حساسية لرائحة معينة مثل الكزبرة.

الذاكرة العاطفية

قد ترتبط رائحة الكعكة أو البحر بمواقف سعيدة، فتُدرك بشكل ممتع كلما عادت من جديد.

التعلم والتكيف

إذا ارتبطت الرائحة بتجربة خطرة أو مزعجة، يمكن أن يتحول إدراكها من محايد أو ممتع إلى سلبي مع الوقت.

ADVERTISEMENT

تعقيد الدماغ الشمي:

ترتبط المتعة الشمية بقوة بتنشيط دارة المكافأة في الدماغ، والتي تتضمن الناقلات العصبية، أي الجزيئات التي تسمح بالتواصل بين الخلايا العصبية. وهذا هو الحال بشكل خاص بالنسبة للدوبامين، الذي يلعب دورًا حاسمًا في الإحساس بالمتعة والمكافأة. عندما يُنظر إلى رائحة ما على أنها لطيفة، يتم تنشيط دارة المكافأة، ما يؤدي إلى إطلاق الدوبامين في الجسم. يعمل هذا الدوبامين على تقوية الارتباط بين التجارب الممتعة (عيد ميلاد + كعكة الشوكولاتة + العائلة + الأصدقاء + الهدايا)، ويحفز سلوكيات مماثلة تسعى إلى المتعة؛ فنتطلع إلى عيد ميلادنا التالي لنعيش من جديد هذا الوضع اللطيف الذي يتميز بالروائح الإيجابية. تعتمد المتعة والاستياء أيضًا على مشاعر مثل الفرح أو الاشمئزاز، والتي يتم التعبير عنها من خلال تنشيط الجسم اللوزي في الدماغ.

ADVERTISEMENT

كيف تتحول الرائحة إلى إحساس ممتع أو منفّر

1

التقاط الرائحة

يستقبل الدماغ الإشارة الشمية بعد التقاط جزيئات الرائحة عبر المستقبلات.

2

تنشيط دارة المكافأة

إذا فُسرت الرائحة على أنها لطيفة، تنشط دارة المكافأة في الدماغ.

3

إفراز الدوبامين

يسهم الدوبامين في تعزيز الإحساس بالمتعة وربط الرائحة بالموقف الإيجابي.

4

ترسيخ السلوك

يدفع هذا الارتباط الشخص إلى البحث مجددًا عن تجارب تحمل الرائحة نفسها أو المعنى العاطفي نفسه.

الروائح التي تصنع الذكريات:

الدماغ جيد جدًا في حفظ التجارب الجيدة والسيئة وربط روائح معينة بها. يطلق العلماء على هذه الذكريات "الذكريات المرتبطة بالشم". ومن الأمثلة على ذلك عندما تشم رائحة وجبة مفضلة لديك. قد تذكّرك بشخص كان يصنعها لك، ما يحفز دماغك على إفراز مواد كيميائية تجعلك تشعر بالارتياح.

ADVERTISEMENT

بالطبع، يمكن أن ترتبط الرائحة أيضًا بتجارب غير سارة. ربما تناولت بعض الأطعمة الفاسدة، فتجد نفسك الآن تكره هذه الأطعمة، حتى لو لم تكن فاسدة. هنا دماغك يربط بين المرض السابق وتلك الرائحة، ما يمنعك من تناول شيء قد يكون سيئًا لك.

كيف تغيّر التجربة معنى الرائحة

قبل

قد تكون الرائحة مرتبطة بوجبة محببة أو بشخص عزيز، فتثير الراحة والحنين.

بعد

إذا ارتبطت الرائحة بمرض أو تجربة سيئة، فقد تتحول إلى إشارة نفور وتحذير من تكرار الخطر.

روائح تحذيرية:

ولكن ماذا عن الأشياء التي تعرف أنها ذات رائحة طيبة أو سيئة حتى لو لم تجربها من قبل؟ وجد العلماء أنه على الرغم من أن الكثير من الروائح التي يحبها الناس تأتي من تجارب الماضي، إلا أن الغرائز تلعب دورًا كبيرًا. تخبرك الرائحة كثيرًا عن بيئتك، وتساعدك غرائزك في تحديد ما هو آمن أو خطير. على سبيل المثال، ثبت أن الدم يصدّ البشر والعديد من الحيوانات، مثل الغزلان، لكنه يجذب الحيوانات المفترسة، مثل الذئاب. هذا يوجه الناس بعيدًا عن الحيوانات المفترسة التي قد ترغب في أكلنا، لكنه يسمح للمفترس بالحصول على وجبته. يمكن للرائحة أن تحذرك عندما يكون هناك شيء قد يجعلك مريضًا. عندما يتعفن البيض، تتكاثر البكتيريا بشكل جنوني داخله، فتنكسر البروتينات التي تطلق مادة كيميائية سامة تسمى كبريتيد الهيدروجين. ينتج عن هذا رائحة كريهة تجعلك ترغب في البقاء بعيدًا، ما يمنعك من أكل البيض والإصابة بالمرض.

ADVERTISEMENT

الروائح الطيبة والروائح السيئة:

تظهر التفضيلات الشمية في وقت مبكر جدًا من حياتنا، منذ لحظة ولادتنا. وفطريًا فإن الروائح التي تحتوي على الكبريت مثلًا تشير في الطبيعة إلى وجود تعفن أو نباتات سامة. ولذلك فهي منفّرة لحديثي الولادة، الذين لم يشمّوا رائحتها من قبل. السبب هنا هو تطوري، حيث إن الكائنات التي لا تستطيع اكتشاف وإدراك هذا النوع من الرائحة لم تتمكن من البقاء على قيد الحياة. نحن الآن جميعًا مجهزون بدارة دماغية تربط رائحة البيض الفاسد بتعبيرات الوجه المميزة التي تنم عن الاشمئزاز. ومع ذلك، فلن تظل روائح الكبريت منفّرة للبالغين إلا جزئيًا؛ فنحن حساسون جدًا لرائحة الكبريت المنبعثة من غازات المدينة، لكن روائح الكبريت المنبعثة من طهي الثوم لا تنفّر الأشخاص الذين يستمتعون بتناوله. وعلى العكس من ذلك، فإن بعض الروائح النادرة جدًا، مثل الفانيليا أو الموز، يمكن أن يشعر بها المولود الجديد على الفور وبشكل ممتع. ولكن قد تتطور استجابة الشخص لها مع العمر، فتصبح سيئة.

ADVERTISEMENT

بين الفطرة والتجربة في الحكم على الروائح

الاعتقاد الشائع

الإنسان يتعلم فقط مع الوقت أي الروائح طيبة وأيها سيئة.

الحقيقة

بعض التفضيلات الشمية تظهر منذ الولادة ولها جذور تطورية، لكن التجارب اللاحقة يمكن أن تعدّلها أو تعيد تفسيرها.