تنتشر في المشهد التاريخي لبريطانيا القلاع القديمة التي تحمل كل منها أسرار الماضي داخل جدرانها الحجرية. تُعدّ قلعة بيمبروك، وهي قلعة مهيبة في ويلز، أحد هذه المواقع. كشفت الاستكشافات الأخيرة عن كهف أسفل القلعة قد يقدم رؤى جديدة حول مصير البريطانيين الأوائل. ويَعدُ هذا الاكتشاف الغني بأهمية تاريخية وأثرية، بإلقاء الضوء على حياة الناس الذين سكنوا هذه المنطقة منذ آلاف السنين.
قراءة مقترحة
في تحول ملحوظ للأحداث، أجرى علماء الآثار حفريات جديدة في كهف ووغان أسفل قلعة بيمبروك. وكشفت هذه الحفريات في الكهف المعروف منذ زمن طويل عن نتائج مثيرة تتعلق باستخدامه في عصور ما قبل التاريخ.
يتشابك تاريخ الكهف الموجود أسفل قلعة بيمبروك مع ماضي القلعة. تم بناء القلعة، التي يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر، على رعن (شنخة promontory) استراتيجي يطل على نهر بيمبروك. ومع ذلك، فإن أصول الكهف تسبق القلعة بعدة آلاف السنين. وتشير الفحوصات الأولية إلى أنه كان يستخدم من قبل البشر خلال عصر ما قبل التاريخ، مما يجعله موقعاً ذا أهمية أثرية كبيرة.
تُعدّ قلعة بيمبروك نفسها معلماً تذكارياً للهندسة المعمارية في العصور الوسطى، وقد بناها النورمان في عام 1093. وقد لعبت دوراً حاسماً في الدفاع عن جنوب ويلز وارتبطت بالعديد من الأحداث التاريخية، بما في ذلك ولادة هنري السابع، أول ملك تيودور. إن الأهمية الاستراتيجية للقلعة واحتلالها المستمر عبر القرون يجعلها أرشيفاً للروايات التاريخية الغنية.
اكتشف علماء الآثار داخل الكهف مجموعة من القطع الأثرية التي تشير إلى استخدامه من قبل البريطانيين الأوائل. وتشمل هذه أدوات الصوان، وشظايا الفخار، وعظام الحيوانات. ومع ذلك، فإن الاكتشافات الأكثر إثارة للاهتمام هي بقايا الدهون الحيوانية على جدران الكهف وأرضيته، مما يشير إلى أن الكهف ربما تم استخدامه للطهي أو الأنشطة المنزلية الأخرى.
توضح هذه الأدلة انتقالاً أوسع في عصور ما قبل التاريخ البريطاني: من الاعتماد على الصيد وجمع الثمار إلى حياة زراعية أكثر استقراراً، وكانت الدهون الحيوانية المستأنسة علامة مهمة على هذا التحول.
مجتمع صيد وجمع ثمار أكثر تنقلاً، يعتمد على موارد برية ويترك آثاراً مرتبطة بأنشطة عابرة داخل الكهف.
مجتمع زراعي أكثر استقراراً، تظهره الدهون الحيوانية المستأنسة وطرائق معيشة جديدة داخل الموقع.
اكتشاف الدهون الحيوانية في الكهف له أهمية خاصة. وباستخدام التحليل الكيميائي الحيوي المتقدم، تمكن الباحثون من تحديد أنواع الحيوانات التي تم معالجتها واستهلاكها من قبل سكان الكهف. يشير وجود الدهون من الأنواع المستأنسة مثل الأبقار والأغنام والخنازير إلى نمط حياة مستقر، يتناقض مع الوجود البدوي للصيادين وجامعي الثمار الأوائل.
التقنيات المتقدمة لتحليل الدهون.
توضح التقنيات البيوكيميائية الحديثة كيف تُقرأ الدهون والزيوت المحفوظة في المواد الأثرية، ولا سيما عبر تحليل بقايا الدهون ومطيافية الكتلة- الكروماتوغرافيا الغازية (GC-MS).
تُفحص الدهون والزيوت الباقية في قطع الفخار وعينات التربة والمخلفات الموجودة على جدران الكهوف.
تفصل مطيافية الكتلة- الكروماتوغرافيا الغازية المركبات بناءً على كتلتها وشحنتها.
يسمح هذا التحليل باكتشاف أنواع معينة من الدهون والزيوت وفهم الممارسات الغذائية للشعوب القديمة.
طرائق الطبخ التي تشير إليها الدهون.
توفر أنواع الدهون التي تم تحديدها نظرة ثاقبة لطرائق الطهي التي يستخدمها سكان الكهف. يشير وجود الدهون الحيوانية مثل تلك الموجودة في الأبقار والأغنام والخنازير إلى أن هذه الحيوانات لم تكن جزءاً مهماً من النظام الغذائي فحسب، بل تمت معالجتها وطهيها أيضاً في الكهف. يمكن أن يشير اكتشاف المؤشرات الحيوية للدهون المحددة إلى ما إذا كانت الدهون قد تعرّضت لعمليات التسخين أو الطهي. على سبيل المثال، يشير وجود منتجات التغيير الحراري في ملف الدهون إلى استخدام النار في الطهي. يتماشى هذا الدليل مع اكتشاف البقايا المتفحمة ورواسب الرماد في الكهف، مما يشير إلى أن تحميص اللحوم أو سلقها كان ممارسة شائعة.
يعطي التقسيم الطبقي للرواسب والتأريخ بالكربون المشع إطاراً زمنياً يمتد لعدة آلاف من السنين، ويُظهر كيف تغيّر استخدام الكهف من أنشطة الصيد وجمع الثمار إلى ممارسات منزلية وزراعية أكثر تنظيماً.
تُظهر الطبقات الأولى دليلاً على أنشطة الصيد وجمع الثمار، بما في ذلك استخدام الدهون الحيوانية البرية.
ظهر إدخال الدهون الحيوانية المستأنسة، مما يشير إلى التحول نحو الممارسات الزراعية.
أصبح استخدام الكهف أكثر تنظيماً، مع المزيد من المواقد الدائمة والأدلة على الأنشطة المنزلية المستدامة.
زادت الأدلة على طرائق الطهي المعقدة وربما ممارسات الولائم الجماعية، كما يشير تنوع ووفرة الدهون الحيوانية.
يُعدّ وجود الدهون الحيوانية المستأنسة في الكهف علامة مهمة على الانتقال من أنماط الحياة البدوية إلى أنماط الحياة المستقرة. ويُعدّ هذا التحول أمراً بالغ الأهمية في فهم الأنماط الأوسع للتطور البشري والتنمية المجتمعية في بريطانيا المبكرة. يشير تحديد الدهون الحيوانية المختلفة ومنتجات تحللها الحراري إلى فهم دقيق لتقنيات الطهي وحفظ الطعام بين سكان الكهف.
تشير الأدلة على طرائق الطهي، بما في ذلك التحميص والسلق، إلى درجة من التطور في الطهي والتخطيط الغذائي. ومما يؤكد ذلك وجود قطع فخارية كانت تستخدم في الطهي وتخزين الطعام. ويعكس تطور هذه الممارسات مع مرور الوقت قدرة البريطانيين الأوائل على التكيّف والبراعة في سعيهم للحصول على القوت والاستقرار.
فتح الكهف الموجود أسفل قلعة بيمبروك فصلاً جديداً في دراسة البريطانيين الأوائل. سوف تركز الأبحاث المستقبلية على الحفريات والتحليلات التفصيلية للكشف عن المزيد من القطع الأثرية والمخلفات البيولوجية. ستساعد هذه التحقيقات في بناء صورة أكثر شمولاً لسكان المنطقة في عصور ما قبل التاريخ ونظامهم الغذائي وبنيتهم الاجتماعية وتفاعلاتهم مع بيئتهم.
برز الكهف الموجود أسفل قلعة بيمبروك كموقع مهم لفهم التاريخ المبكر لبريطانيا. ويوفّر اكتشاف الدهون الحيوانية وغيرها من المصنوعات اليدوية أدلة لا تقدر بثمن حول حياة البريطانيين الأوائل، ويُسلّط الضوء على عاداتهم الغذائية، والتقدم التكنولوجي، والهياكل الاجتماعية. ومع إجراء المزيد من الأبحاث، سيستمر هذا الكهف بلا شك في الكشف عن أسرار حقبة ماضية، مما يثري المعرفة بالسكان القدماء للجزر البريطانية.